سياسات تجارية تقود واشنطن وبروكسل إلى المواجهة
03 أبريل 2025 تتجه العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نحو اختبار جديد مع تصاعد التوترات بشأن الرسوم الجمركية المتبادلة التي تعتزم واشنطن فرضها الشهر المقبل، بما قد يعيد رسم المشهد التجاري بين ضفتي الأطلسي ويلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي.لكن جذور الخلاف أعمق من أزمة اللحظة، فالسياسات التجارية بين الجانبين طالما كانت موضع شد وجذب. إذ لم يتردد ترامب في انتقاد الاتحاد الأوروبي؛ بسبب سياساته الضريبية وإجراءاته ضد عمالقة التكنولوجيا الأميركية مثل آبل وغوغل وفيسبوك. وفي المقابل، أكدت بروكسل أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تعريفات جديدة، ملوّحة باتخاذ تدابير مضادة.
وفي مؤتمر ميونيخ للأمن الشهر الماضي، زادت التوترات حدة بعدما صعّد نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس من لهجته، متهمًا القادة الأوروبيين بـترهيب شعوبهم، ومشدّدًا على أن التهديد الأكبر للديمقراطيات الأوروبية داخلي وليس خارجي، لتصب هذه التصريحات النار على زيت العلاقة المتوترة.
لكن الواقع يقول إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هما أكبر شريكين تجاريين لبعضهما، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو تريليون يورو سنويًا. بمعنى أن أي زيادة في الرسوم الجمركية على السلع الأوروبية، مثل السيارات والآلات والمستحضرات الصيدلانية، قد تؤدي إلى اضطرابات في سلاسل التوريد وترفع التكاليف على الشركات والمستهلكين.
أما بالنسبة لصناعة السيارات الألمانية، قد تجد شركات مثل فولكس فاجن وبي إم دبليو نفسها أمام خيارين: إما نقل جزء من الإنتاج إلى الولايات المتحدة لتجنب الرسوم، أو تحمل تكاليف إضافية قد تؤثر على قدرتها التنافسية، في حين قد تضطر الشركات الأميركية إلى البحث عن موردين جدد خارج الاتحاد الأوروبي، مما قد يضر بالكفاءة الإنتاجية، خاصة في القطاعات التي تعتمد على سلاسل توريد متداخلة، مثل صناعة السيارات والطيران.
ومع ذلك فإن الداخل الأميركي ليس موحدًا حول هذه السياسات، بل تواجه هذه الإجراءات معارضة واسعة من الشركات والمستهلكين والمشرعين، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على الواردات الأوروبية.
وعلى الجانب الآخر، يملك الاتحاد الأوروبي أدوات رد فعالة، أبرزها «أداة مكافحة الإكراه»، التي تسمح له بفرض تدابير انتقامية على أي خطوة تجارية غير عادلة، كما يتمتع بسوق ضخمة تضم 450 مليون مستهلك، ما يمنحه قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية.
لكن الرسوم الجمركية ليست مجرد إجراء اقتصادي، بل تعكس توترًا سياسيًا أعمق، فخلال ولاية ترامب الأولى فرضت واشنطن تعريفات على الصلب والألمنيوم الأوروبي، فرد الاتحاد الأوروبي بإجراءات مماثلة، ما أدى إلى تصعيد استمر حتى التسوية الجزئية عام 2021. إن تكرار هذا السيناريو قد يفاقم عدم الثقة بين الطرفين، وينعكس على ملفات استراتيجية أخرى، مثل تمويل الناتو، والتعاون في قضايا المناخ، وتنظيم شركات التكنولوجيا.
وفي ظل هذه التوترات، قد تسرّع بروكسل جهود «الاستقلال الاستراتيجي» عبر تعزيز شراكاتها التجارية مع آسيا وأميركا اللاتينية لتقليل الاعتماد على السوق الأميركية، كما قد تستغل بكين الفرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي في أوروبا عبر استثمارات أوسع في البنية التحتية ومشاريع مثل «الحزام والطريق»، ما يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي.
ورغم التصعيد، لا يزال هناك هامش لتجنب صدام تجاري شامل. فالمصالح المشتركة، خاصة مع التحديات الجيوسياسية التي تفرضها المنافسة مع الصين وروسيا، تجعل المواجهة خيارًا مكلفًا للطرفين، لاسيما أنه في السابق، نجحت الدبلوماسية في نزع فتيل أزمات تجارية، كما حدث في نزاع إيرباص وبوينج عام 2021، لكن المؤكد أن العلاقة عبر الأطلسي دخلت مرحلة مفصلية، قد تعيد رسم خريطة التحالفات التجارية والسياسية لعقود مقبلة.