تأمين الازدهار للجنوب العالمي

03 أبريل 2025

لتجاوز التحديات الحالية التي تفرضها أجندة ترامب الوطنية “أميركا أولاً”، يتعين على دول الجنوب العالمي تبني استراتيجيات تركز على الصمود، والقدرة على التكيف، والشمولية. ومن الضروري في هذا المناخ المتوتر أن تبتعد هذه الدول عن الانجرار إلى المنافسة الثنائية بين الصين والولايات المتحدة، وأن تسعى للحفاظ على الحياد الاستراتيجي، والانخراط في دبلوماسية ذكية، يمكن أن تحمي السيادة وتعزز الاستقرار الإقليمي. إن تراجع التحالفات التقليدية في ظل سياسات ترامب يشكل فرصة لدول الجنوب العالمي لبناء شراكات جديدة، في محاولة لتنويع خياراتها الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على قوة واحدة بعينها.

يتعين على هذه الدول التركيز على الابتكار والاستدامة من خلال الاستثمار في الصناعات المتطورة مثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة. وكمدافع عن اقتصاد المعرفة، لقد أكدت مرارا أهمية دمج الاستدامة في عملية الابتكار؛ لضمان تحقيق منافع طويلة الأمد للجميع. ويجب على هذه الدول تعزيز الروابط الاستراتيجية مع التكتلات الإقليمية العالمية، والسعي لتجاوز قدراتها الحالية لتعزيز التعاون الذي يتخطى الانقسامات الجيوسياسية، وتقديم الأولوية للسياسات التي تعالج قضايا الفقر وعدم المساواة؛ ما يضمن توزيع المكاسب الاقتصادية بشكل عادل، حيث إن الشمولية تعد ضرورة استراتيجية لضمان الصمود.

وفي ظل ما يجري حاليا على الساحة العالمية، أعتقد أن دول الجنوب العالمي تمتلك القدرة على إعادة تشكيل النظام العالمي من خلال تعزيز الدعوة إلى العدالة والمساواة. لقد حان الوقت للدفاع عن المعايير الدولية التي تساهم في دعم السلام والازدهار، مع الدعوة إلى إصلاح الأنظمة البالية التي لم تعد تلبي المصالح العالمية. ومن خلال هذا النهج المزدوج، المتمثل في الدفاع عما هو فعال وإصلاح ما لا يعمل، يمكن للدول الصغيرة أن تثبت جماعيا قدرتها على التأثير. يجب على تلك الدول أن تضع في أولوياتها بناء الثقة والشفافية داخل مجتمعاتها، والاستثمار في حملات التوعية العامة الشاملة وبرامج المعرفة الرقمية لتمكين مواطنيها من اكتساب المهارات الرقمية الحديثة، والقدرة على تقييم المعلومات بشكل نقدي، ومقاومة السرديات التي تروج للانقسام سواء كانت من الداخل أو الخارج. ويعد ذلك أمرًا أساسيًا لتعزيز التماسك الاجتماعي وضمان توزيع فوائد النمو الاقتصادي والابتكار بشكل عادل؛ ما يسهم في خلق قاعدة أكثر استقرارًا وتوحدًا للتنمية المستقبلية، ويعزز ثقافة الحداثة، ويعمل على إنتاج قوة عاملة تتمتع بمهارات رقمية متقدمة.

ومن خلال إدراك الفرص المتاحة في ظل التحديات التي تفرضها المنافسة بين الصين والولايات المتحدة وسياسات ترامب، قد تتمكن دول الجنوب العالمي من وضع مسار نحو تعزيز الصمود والازدهار. لم يعد وقت الوحدة والتعاون أكثر إلحاحًا مما هو عليه الآن، حيث إن لدول الجنوب العالمي دورًا حاسمًا في تشكيل نظام عالمي أكثر عدلا واستدامة.